المجلس الوطني ينعقد في الزمن المُلّوث بقلم د. وليد القططي


bl

بكل عنفوان الثوار وعزيمة الأبطال وعناد الفدائيين وتصميم المجاهدين الخارجين لتوهم من خنادق القتال، والعائدين للحال من ميادين النزال، والراجعين للفور من ساحات الوغى، ظهر أحد كبار الثوار الأبطال وغبار الحرب لا يزال على جبهته ليتحدث عن غزوة المجلس الوطني القادمة قائلاً:»... سيُعقد المجلس الوطني في موعده... شاء من شاء وأبى من أبى واللي مش معجبهُ يشرب من البحر الميت... ومن بحر غزة من الجانب اللي فيه تلويث» واتبع كلامه الثوري بضحكة وطنية بريئة، ربما كانت شفقة ورأفة على المساكين والغلابة الذين سيضطرون للشرب من بحر غزة المالح بسبب رفضهم المشاركة في دورة المجلس الوطني القادمة، ومن «الجانب اللي فيه تلويث» بالتحديد حسب المناطق التي حددتها سلطة جودة البيئة الفلسطينية كمناطق ملوثة يُحظر السباحة فيها حرصاً على صحة المواطن الفلسطيني الصالح الملتزم بالشرعية أو الرشيدة.

المساكين الذين سيضطرون للشرب من بحر غزة المالح ومن «الحتة» الملوّثة فيه يُمكن القول بكل ثورية ووطنية بعيداً عن التملق والنفعية «يستاهلوا اللي يجرى لهم»؛ بسبب تصرفاتهم «الوحشة غير الوطنية»، ولركونهم للذين «ظلموا وانقلبوا على السلطة»، وعدم ثورتهم على «خاطفي الطائرات الإرهابيين»، ليذوقوا من طعم الملوحة اضافة إلى طعم التلوّث زيادة في العذاب لعلهم يرجعون إلى الصف الوطني وعسى الله أن يتوب عليهم قبل بلوغ الروح الحلقوم. وإذا كان تلوث البحار أمراً معروفاً ومكشوفاً فإن الأمر غير المعروف وبالتأكيد غير مكشوف وفق النظرية الجديدة العابرة للوطنية والخارقة للثورية فهو (تلوّث الزمن) الناتج عن جراثيم غريبة وفيروسات عجيبة يقول العلماء إنها تتكاثر عندما يطفو إلى السطح أشباه الرجال وأرباع الثوار، وعندما تشيع النفعية والارتزاق وينتشر التزلف والنفاق.

ولمعرفة كيفية وصولنا إلى الزمن المُلوّث القبيح الذي سيُعقد فيه المجلس الوطني تحت حراب الاحتلال في رام الله وبمن حضر من أصحاب الحظوة والرضى المضمون صوتهم وصمتهم الفرحين بما آتاهم صاحب الأمر من فضله وأنعم عليهم من خيره، لا بد من الرجوع إلى الزمن النقي الجميل للمجلس الوطني الفلسطيني قبل ظهور أشباه الرجال وأرباع الثوار. فالدورة الأولى للمجلس الوطني الفلسطيني التي انعقدت في القدس عام 1964 برئاسة أحمد الشقيري مُعلناً تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، ومُصدِراً الميثاق القومي الفلسطيني الذي أكد على البُعد القومي للهوية الوطنية الفلسطينية وللصراع مع الكيان الصهيوني، ومُحدداً مساحة فلسطين الانتدابية الكاملة من البحر إلى النهر ومن رأس الناقورة إلى أم الرشراش. والدورة الرابعة للمجلس الوطني المنعقدة في القاهرة عام 1968 برئاسة يحيى حمودة أصدر الميثاق الوطني الفلسطيني مؤكداً على حدود ومساحة فلسطين الانتدابية الكاملة وعلى الكفاح المسلح كطريق وحيد لتحرير فلسطين.

استمر المجلس الوطني عنواناً للتمسك بالثوابت الوطنية والكفاح المسلح والوحدة الوطنية حتى بدأ التحوّل في الفكر السياسي العربي بعد حرب أكتوبر 1973 محوره تقبل (دولة إسرائيل) كأمر واقع وقبول قرارات (الشرعية الدولية) كأقصى ما يُمكن تحقيقه، وانتقل هذا الفكر إلى الفلسطينيين مصحوباً بمبررات الواقعية الثورية وإمكانية التحرير المرحلي لفلسطين، فكانت دورة المجلس الوطني الفلسطيني الثانية عشرة في القاهرة عام 1974 برئاسة خالد الفاهوم ترجمة لهذا التحوّل في الفكر السياسي الفلسطيني عندما تبنى المجلس الوطني البرنامج السياسي المرحلي المعروف ببرنامج النقاط العشر، وأهم بنوده: البند الثاني الذي ذكر «إقامة سلطة الشعب الوطنية المستقلة المقاتلة على كل جزء من الأرض الفلسطينية التي يتم تحريرها»، والبند الثامن من البرنامج الذي اعتبر السلطة الوطنية الفلسطينية بداية لاستكمال تحرير كامل التراب الفلسطيني.

احتجنا إلى ما يُقرب عقدين من الزمن تلوّثت فيه مفاهيم الثورة ومعاني التحرير وقيم الوطنية لنصل في نهاية المطاف إلى «سلطة بدون سلطة تحت احتلال بدون كُلفة» على حد وصف الرئيس محمود عباس رئيس السلطة وأحد مؤسسيها، ولتصبح «السلطة المُقاتلة» سلطة تُنسّق مع الاحتلال، ومن سلطة مُقامة على أرض مُحررة إلى سلطة تحت الاحتلال أو «تحت بساطير الإسرائيليين» كما قال الرئيس حرفياً، وبات من المؤكد أن السلطة التي أُريد لها أن تكون بداية «لاستكمال تحرير كامل التراب الفلسطيني» أمست نهاية لمشروع التحرير وفق مشروع التسوية القائم على فرضيات خاطئة وفكر سياسي عقيم أنتج لنا هذا المأزق الكبير بوجود سلطة تحت الاحتلال منقسمة على نفسها ومُعيقة للمشروع الوطني الفلسطيني القائم على محاور التحرير والعودة والاستقلال.

المجلس الوطني خلال هذا الزمن المُلوّث كان مُشرّعاً للتنازل عن الثوابت الوطنية لاسيما في دورته الحادية والعشرين المنعقدة في غزة عام 1996 برئاسة سليم الزعنون وفي ظل السلطة وبحضور الرئيس الأمريكي (بيل كلينتون) حيث تم فيه إلغاء بنود الميثاق الوطني التي تتعارض مع اتفاقية أوسلو خاصة البنود التي تنص على وحدة الأرض الفلسطينية الكاملة، والكفاح المُسلّح لتحرير فلسطين، وعدم قانونية دولة إسرائيل.

ولكي يؤدي المجلس الوطني دوره كمؤسسة تشريعية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وهيئة برلمانية جامعة للكل الفلسطيني، وقائد للمشروع الوطني الفلسطيني، من الضروري إخراجه من تحت سقف أوسلو مكانياً بعيداً عن حراب الاحتلال، وزمانياً بعيداً عن زمن أوسلو، وبناءً على وثيقة إعلان القاهرة عام 2005 التي نصت على تفعيل وتطوير المنظمة وفق أُسس توافقية تضمن تمثيل كل القوى الفلسطينية حسب موازين القوى الشعبية والنضالية والسياسية بالانتخاب أو بالتوافق، وبناء على قرارات اللجنة التحضيرية التي شاركت فيها كل فصائل منظمة التحرير الفلسطينية وحركتا حماس والجهاد في بيروت يناير 2017. ليكون المجلس الوطني الفلسطيني بيتاً للكل الفلسطيني وحارساً للمشروع الوطني وضامناً للثوابت الوطنية ومُجدداً للقيادة الوطنية.


تعليقات

أضف تعليقك

أخبار عاجلة