كتب د.وليد القططي: رسالة السنوار: الحصار يجب أن يُكسر


bl

إن هذا الحصار سيُكسر بعز عزيز أو بذل ذليل، هذا الحصار لا بد أن ينتهي... إننا قد اتخذنا قراراً أن هذا الحصار لا بد أن يُكسر،ـ وأن يأكل الناس لقمة عيشهم... قرار قوى المقاومة: هذا الوضع يجب أن ينتهي.. سيُفرض هذا الأمر، نقطة وأول السطر». هذه آخر ما قاله قائد حركة حماس في قطاع غزة يحيى السنوار، أو ما تمكنت من تسجيله بقلمي رغم تأثير عوامل التعرية التي أصابت ذاكرتي المُنهكة بفعل تآكل الزمن وتزاحم الأحداث. هذه العبارات ختمت لقاءً استمر خمس ساعات لم يقطعها إلا صلاة المغرب، مع الكتاب الصحفيين والمحللين السياسيين، تناول مختلف الملفات المطروحة على الساحة الفلسطينية، بما فيها من صراع متواصل مع العدو، وللأسف الصراع الداخلي الفلسطيني، وحمل اللقاء رسائل عديدة، ذكرها زملائي الكُتّاب والمحللون في مقالات سابقة، وفي تقديري الخاص كانت الرسالة الجوهرية لهذا اللقاء الممتد هي: «أن هذا الحصار يجب أن يُكسر».

الحصار يجب أن يُكسر، وينتهي إلى غير رجعة، وليس مجرد تخفيفه بطريقة جزئية. فالحصار المفروض على قطاع غزة لا يتعلّق برفاهية الحياة في القطاع؛ بل يمس جوهر مقومات الحياة، وأصاب الحد الأدنى من متطلبات الحياة للناس داخل وطنهم، فالموضوع يتعلّق بحق الحياة؛ بأن يتمكن الناس من ممارسة أبسط مقوّمات الحياة، من أكل وشرب وسكن ولبس وعلاج وتعليم وعمل وسفر وزواج وتربية الأبناء وغيرها. والأمر يمتد إلى تشكيل خطر على المشروع الوطني الفلسطيني، فإذا فقد أولادنا وبناتنا الأمل في الحياة على أرضهم، ويأس شبابنا وشاباتنا في إيجاد فرصة للعمل والحياة في بلدهم، وفقد الجيل الحالي الإيمان بإمكانية تحقيق أحلامهم في وطنهم... فلن نجد من يحمل المشروع الوطني الفلسطيني من الجيل الحالي والقادم، وهذا هو جوهر ما أراد قوله السنوار حول آثار الحصار المُدّمرة على المشروع الوطني «إذا أولادنا بيفقدوا الأمل، المشروع الوطني في خطر».

قائد حركة حماس في القطاع يحيى السنوار كان على ما يبدو واثقاً من إمكانية كسر الحصار في غضون شهرين، أو على الأقل البدء بتفكيكه بعد شهرين بناء على توقعات بإنجاز تفاهمات التهدئة مع العدو بعد شهرين من الزمن. مستعرضاً تطورات ملف التهدئة أو تثبيت وقف إطلاق النار بناء على تفاهمات 2014م، التي بدأت بعد الضغط الذي حدث على العدو بفعل مسيرات العودة، وما رافقها من أشكال نضالية مختلفة، وفشل العدو في تغيير قواعد الاشتباك لصالحه مع المقاومة، وقدرة المقاومة السير على حافة الهاوية بطريقة مُبدعة... مما أدى إلى انطلاق مسارين للتهدئة هما: المسار المصري والمسار الأُممي، توافق مع مصلحة فلسطينية في كسر الحصار، وإرادة المقاومة في إنهاء معاناة الحاضنة الشعبية لها بفعل الحروب العدوانية والحصار المتواصل والعقوبات المفروضة الناتجة عن الاحتلال والانقسام.

التهدئة التي من المفترض أن تؤدي إلى إنهاء الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني الصامد والمقاوم في قطاع غزة، بوابتها الصحيحة المصالحة الشاملة على أساس اتفاقية القاهرة 2011م، التي تبدأ برفع العقوبات عن غزة، وإقامة حكومة وحدة وطنية، وتغيير العقيدة الأمنية للسلطة، وتُعيد بناء منظمة التحرير الفلسطينية لتكون بيتاً للكل الفلسطيني وقائدة للمشروع الوطني الفلسطيني؛ لكن إذا تعذّر تحقيق المصالحة في الوقت الحالي أوضح السنوار إمكانية الذهاب للتهدئة بدون المصالحة. لأولوية وأهمية كسر الحصار، وتحدث عن بدائل محتملة لمسار المصالحة، دون أن يتطرق لخطورتها في حالة نفّذت السلطة تهديداتها بتشديد الإجراءات العقابية ضد غزة، أو أدت إلى انفصال غزة عن الضفة في إطار صفقة القرن، اكتفى بالقول: «إن السلطة ستخسر أكثر من حماس لو طبقت إجراءاتها العقابية».

رسالة السنوار بأن الحصار يجب أن يُكسر عبر المصالحة أو التهدئة أو كليهما يحتاج إلى وسائل ضغط تجعل العدو مقتنعاً أو مُجبراً على الذهاب إلى خيار التهدئة وإنهاء الحصار، ومن خلال التجارب السابقة في صراعنا مع الاحتلال، بأنه لا يتراجع أو يتنازل إلاّ تحت الضغط المباشر بالمقاومة الشعبية أو المسلحة، لذلك كانت رسالة السنوار واضحة في هذا الاتجاه- السابقة والحالية- بقوله: «قبل ان تنفجر الأوضاع في قطاع غزة سنلقي بمرجل الجمر في وجه الاحتلال» وكذلك «وأن الحرب إذا فرضت على غزة ستجعل صفارات الإنذار تضرب في (قوش دان) ستة أشهر» وكذلك «ما ضربته المقاومة في واحد وخمسين يوماً سيُضرب في خمس دقائق بطريقة متكررة».

السنوار في اللقاء بدا واثقاً من امتلاك المقاومة لقدرات قد تجعل العدو يفكر مرتين أو أكثر قبل بدء الحرب، أو القدرة على إيقافها بعد اندلاعها بما تملكه من توازن رعب، دون الاستهتار بقدرات العدو التدميرية الهائلة. وهذا ما يؤدي بالعدو إلى الذهاب نحو خيار التهدئة وإنهاء الحصار، مذكراً بأن مراكمة القوة العسكرية للمقاومة هدفه التحرير في إطار المشروع الوطني الفلسطيني.

ختاماً بعيداً عن دائرة المناكفات السياسية، والصراعات الحزبية، والمصالح الفئوية، والاتهامات المتبادلة، وحفاظاً على الحلم الفلسطيني والمشروع الوطني، لنحمل جميعاً رسالة إنسانية واضحة ومطلباً وطنياً جامعاً جوهرها أن الحصار يجب أن يُكسر، والعقوبات يجب أن تُلغى، ومأساة غزة يجب أن تنتهي... وصولاً إلى إنهاء الانقسام وإنجاز المصالحة وتحقيق الوحدة الوطنية، لننطلق معاً نحو إعادة عجلات قطار المشروع الوطني الفلسطيني على قضبان سكة التحرير والعودة والاستقلال.


تعليقات

أضف تعليقك

أخبار عاجلة